عبدالرحمن الخطيب ..
إن ذكر اسم الأم يعتبر عيباً عند الكثير من رجال بعض القبائل في الجزيرة العربية، بل وذكر اسم أي امرأة سواء كانت أماً أم زوجة، وبعضهم عندما يذكر المرأة يقول للمخاطب: «أكرمك الله»، وكأنهم يجنبون المخاطب قولاً فاحشاً، على رغم أن السيرة الكريمة ذكرت أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يذكر المرأة باسمها.
بعد حادثة 11 سبتمبر (أيلول)، تعرض الكثير من مواطني المملكة العربية السعودية إلى التوقيف في مطارات الولايات المتحدة الأميركية، وبعض مطارات الدول الغربية، بسبب الاشتباه في تشابه الأسماء - المدونة على قائمة المطلوبين - حتى اسم الجدة بسبب أن بعض القبائل في السعودية اعتادت تسمية أبنائها الذكور تيمناً بأسماء آبائهم وأجدادهم، ما أدى كثيراً إلى تشابه الأسماء والألقاب، فكانت سلطات المطارات الغربية، آنذاك، تطلب من الموقوف قيد التحقيق إثباتات رسمية تفيد باسم أمه، لإزالة اللبس في تشابه الأسماء وكان من الصعوبة بمكان تحقيق مثل هذا الأمر على وجه السرعة، وبسبب مثل تلك الحوادث الفردية أضيف - في ما بعد - اسم الأم في جواز السفر وبقيت البطاقة الشخصية خالية من اسم الأم.
إن معظم دول العالم تدون اسم الأم في بطاقات هوية مواطنيها، وفي جوازات سفرهم، احتراماً لمكانتها الإنسانية قبل كل شيء، بل إن بعض الدول الأوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا، تضع لقب الأم قبل لقب الأب في الهويات الشخصية، وفي جوازات السفر.
إن التشريع الإسلامي ليس في نصوصه ما يحرّم وضع اسم الأم بجانب اسم الأب، بل إن العديد من الفقهاء ردوا على من أنكر هذا، مستندين في آرائهم إلى تفسير الآيتين الكريمتين اللتين نزلتا في حادثة زيد بن حارثة، حين تبناه الرسول (صلى الله عليه وسلم) فأخذ الناس ينادونه زيد بن محمد، ونزلت الآيتان الكريمتان (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) وقوله تعالى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم)، فكان رد الفقهاء بأن بيان المقصد من هاتين الآيتين هو تشريع لإبطال التبني.
وقد أيدت بعض الأحاديث النبوية والآثار هذا التفسير، قال ابن علية عن عيينة عن أبيه قال: قال أبو بكرة «فأنا ممن لا يُعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين، قال: قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حماراً لأنتمي إليه».
قال بعض المفسرين: لم يقصد بهما الله النهي عن نسب الولد إلى أمه، بل المقصود بهما النهي عن نسب الولد إلى أبيه بالتبني، فـ «آباؤهم» هي جمع الأبوين، والتي تعني الأب والأم معاً، كما أنه لم يرد حديث واحد ينهى عن نسب الولد إلى أمه، بل إن الفقهاء أجمعوا على أن نسب الولد من أمه ثابت في كل حالات الولادة، شرعية أو غير شرعية، أما نسب الولد لأبيه فلا يثبت إلا من طريق الزواج الصحيح، أو الفاسد، أو الإقرار بالنسب، أو البينة، كما أمرنا الله تعالى ورسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم ) بصلة الرحم، ومن المعروف فقهياً أن صلة الرحم المقصود بها الإخوة من الأم، وليس من الأب، ولهذا ينادى على الإنسان يوم القيامة: أن يا فلان يا ابن فلانة.
إن وضع اسم الأم بجانب اسم الأب لا يعد انتساباً لها بقدر ما يعد براً بها، وإن التعصب للأب في هذا الموضوع ليس من السنة في شيء، فالإسلام فضل البر بالأم على البر بالأب أضعافاً مضاعفة، فعندما جاء أحد الصحابة إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وسأله: من أحق الناس بصحبتي؟ أجابه الرسول: أمك، وكررها ثلاثاً، ثم قال: أبوك،
وإن البر بالأم في التشريع الإسلامي لا يعادله شيء في العبادات والتقرب إلى الله مثل الحج والجهاد، وكتب الحديث مليئة بمثل تلك العبر، لقد وهب الله لأحد الصحابة من الكرامات والمعجزات ما لم ينلها بشر على وجه الأرض، بسبب بره بأمه. ففي صحيح مسلم (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أويس القرني) وفي (مسند أحمد - مسند عمر بن الخطاب (وصححه الألباني- رحمه الله) - عن أسير بن جابر قال: «كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال نعم، قال لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهد بسفر صالح، قال: استغفر لي، فاستغفر له»... قال الإمام النووي: هذه منقبة ظاهرة لأويس، لبره بأمه، وفيه استحباب طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح، وإن كان الطالب أفضل منهم.
إن ممن اشتهروا بأسماء أمهاتهم في العصور الإسلامية السالفة كثيرون، أشهرهم: ابن أم مكتوم صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومؤذن المدينة، إذ كان الرسول يستخلفه على المدينة ويصلي بالمسلمين، وقاتل في معركة القادسية وهو ضرير، ومعه راية سوداء، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتيمية هي أم جده الرابع، وآل ظهيرة القرشيون مؤرخو مكة، يعود انتسابهم لجدتهم ظهيرة.
كما روت كتب السير والتاريخ عن الكثير ممن عرف واشتهر بنسبته إلى أمه، ولم يعرف باسمه الحقيقي، مثال ذلك: عمرو بن كلثوم، وعمرو بن هند، وابن جهينة، وابن حنزابة، وابن سهية، وابن العنقاء، وابن ميناس، ومنهم من عرف بنسبته إلى أمه كما عرف باسمه الحقيقي، مثال ذلك: ابن أم بلال، وابن دومة، وابن زبيبة، وابن العجلى، وابن سمية، ومنهم من نسب إلى كنية أمه كابن أم أصرم، وابن أم برثن، وابن أم الحكم، وابن أم دينار. ومنهم من نسب إلى لقب أمه كابن آكلة الأكباد، وابن البيضاء، وابن الطلاية، وابن القعواء.
ومنهم من نسب إلى قومية أمه أو عرقها أو قبيلتها كابن الجرمية، وابن الحداية، وابن الحنفية، وابن الكردية. ومنهم من نسب إلى نسبة أمه كابن بنت الأعز، وابن بنت السكري، وابن بنت العراقي. ومنهم من نسب إلى صفات أمه الخلقية أو الخلقية كابن الزاهدة، وابن البرصاء وابن السوداء.
كان معاوية بن أبي سفيان يقول، وهو يفتخر بنسبه لأمه: «أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، فأكلت السنام، وشربت العنفوان المكرع»، وعبد الملك بن مروان الذي قال ابن قيس الرقيات في فضل أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة:
«أنت ابن عاشئة التي
فصـــــلـت أروم نســــائـــها»
ومن الذين انتسبوا إلى أمهاتهم أيضاً ابن غانية، القائد المتغلب المتملك، وابن عائشة العالم الشاعر، وبنو سوط النساء القادة الأبطال الذين ذكرهم ابن خلدون في «تاريخه» وسمي أمهم بـ «شمس». وكان ابن ذئبة يفتخر بنسبه إلى أمه قائلاً:
إني لمن أنكرني الذيبة
كريمة عفيفة منسوبة
إن ذكر اسم الأم يعتبر عيباً عند الكثير من رجال بعض القبائل في الجزيرة العربية، بل وذكر اسم أي امرأة سواء كانت أماً أم زوجة، وبعضهم عندما يذكر المرأة يقول للمخاطب: «أكرمك الله»، وكأنهم يجنبون المخاطب قولاً فاحشاً، على رغم أن السيرة الكريمة ذكرت أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يذكر المرأة باسمها.
كتبها ظلال امراة سعودية في 12:23 صباحاً ::
صباح الخير
معة حق وذكر حاجة صحيح ما زال هذا موجود عندنا التحرج وهي سبب ثقافة تدولناها وليس الوحيده من العادات التي لم ينزل الله به من سلطان بس لااعتقد ان هناك من يقول اكرمكم الله واذا كان فيه اعوذ با لله منهم
انا قبيلي ولا توجد عندنا
تحياتي لك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
لا يصح الخلط بين بر الأم وما له من مكانة عظيمة في الإسلام وبين حق الانتساب فهو للأب كما أن التسمية حق للأب إن اختلف الزوجان كما نص على ذلك العلماء، لأن فتح باب الانتساب إلى غير الأب هو باب من أبواب الشر الذي نص الشارع على إبطاله والحمد لله تعالى أن في بلادنا الزواج جله إن لم يكن كله على سنة الله تعالى ورسوله فلا حرج من الانتساب للأب بخلاف ولد الزنا والعياذ بالله الذي لا يعرف أبوه فينتسب إلى أمه كما نص على ذلك العلماء، وللفائدة فإن ذكر مناداة الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم لا يصح بل الصحيح أنهم ينادون بأسمائهم وأسماء آبائهم خلافاً للأحاديث الضعيفة المنتشرة بين الناس، ويطيب لي أن أقتبس من كتاب الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى (تسمية المولود) ففيه عقد باباً سماه (المولود ينسب إلى أبيه لا إلى أمه) قال فيه:
كما أن التسمية من حق للأب فإن المولود ينسب إلى أبيه لا إلى أمه، ويدعى بأبيه لا بأمه، فيقال في إنشاء التسمية فلان ابن فلان، ولا يقال يا ابن فلانة، وللفائدة صنف الفيروزآبادي رسالة سماها (تحفة الأبيه فيمن يُنسب إلى غير أبيه) طبعت ضمن (نوادر المخطوطات) 1/ 101-110 بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون. قال الله تعالى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) الأحزاب 5. والدعاء يستعمل استعمال التسمية، فيقال دعوت ابني زيداً، أي سميته، قال الله تعالى (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) النور 63، وذلك خطاب من كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد!، أي قولوا: يا رسول الله! يا نبي الله!.
ولهذا يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم: فلان ابن فلان، كما ثبت الحديث بذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان ابن فلان) رواه البخاري وترجم عليه بقوله (باب ما يدعى الناس بآبائهم).
وهذا من أسرار التشريع، إذ النسبة للأب أشد في التعريف، وأبلغ في التمييز، لأن الأب هو صاحب القوامة على ولده وأمه في الدار وخارجها، ومن أجله يظهر في المجامع الأسواق، ويركب الأخطار في الأسفار لجلب الرزق الحلال والسعي في مصالحهم وشؤونهم فناسبت النسبة إليه لا إلى ربات الخدور، ومن أمرهن الله تعالى بقوله (وقرن في بيوتكن) الأحزاب 33.
انتهى النقل من كتاب الشيخ رحمه الله تعالى.
الاسم: ظلال امراة سعودية
