المرأة والسيارة… وفحوصات الكشف المبكر
كتبهاظلال امراة سعودية ، في 24 ديسمبر 2008 الساعة: 00:59 ص
ناصر الأومير
على طريقة الفحوصات التي يتم تطويرها للكشف الباكر عن الأمراض، طور مجتمعنا المسكون بالخوف من رياح التغيير التي تهدد عاداته وقيمه المحافظة فحصاً جديداً للكشف الباكر عن الإصابة بأمراض الانفتاح والليبرالية، وهذا الفحص يتلخص في السؤال عن الموقف من قيادة المرأة للسيارة؟
المعارضة للقيادة تعني السلامة الأكيدة من المرض، في حين أن تأييد القيادة يؤكد الإصابة بالمرض، وفي كل مرة تطرح فيها هذه القضية للنقاش فإن الهدف ليس - كما يتوهم البعض - بحثاً عن إثراء الموضوع والتعرف على وجهات النظر المختلفة حياله من أجل تسهيل فرص الوصول للقرار المناسب، بل إن الهدف الحقيقي من إثارة هذه القضية من وقت لآخر هو إجراء فحص سريع لتصنيف المشاركين بين محافظ وليبرالي.
ولهذا السبب بالذات ظلت هذه القضية تدور في حلقة مفرغة، وتراوح في مكانها، فلا الفريق المعارض يقبل بالتعامل مع القضية بشكل مباشر وموضوعي، ولا الطرف المؤيد للقيادة يدرك أنه يتعرض للفحص، لذلك هو لا يفهم لماذا في كل مرة يعرض قضيته بشكل منطقي وواضح تكون رد فعل الفريق الأخر عكسية، وتدفعه إلى مزيد من التشبث بمواقفه المتصلبة… هو لا يدرك أنه كلما أحسن عرض قضيته أثبت للفريق الآخر مدى استفحال مرض الليبرالية به! حوار الطرشان هو أفضل وصف للجدال الدائر منذ زمن طويل حول قيادة المرأة للسيارة، وحوار الطرشان جعل هذه القضية تقدم أفضل نموذج للانسلاخ الكامل عن الواقع، فمن يعارض فهو فقط يؤكد سلامته من الأمراض ولا ينوي أصلاً تحمل مسؤولية معارضته، ومن يدفع الثمن لا رأي له ولا أحد مهتم بأن يستمع الى ما يحاول أن يقول، ليس مهماً ما يحدث، ولكن المهم هو ما لم يحدث، هذا هو المنطق الذي يتحصن به معارضو قيادة المرأة للسيارة، طالما أن المرأة لم تتمكن بعد من فتح الباب الأيسر الأمامي للسيارة، فكل ما يحدث هو أمر مقبول وغير مهم أصلاً.
قبل أن نتحدث عما لم يحدث وهو قيادة المرأة للسيارة دعونا ننظر لما يحدث الآن، رب الأسرة السعودي الذي تخلى عنه الجميع وانشغلوا بقضية تحديد المحافظ من الليبرالي، توجب عليه أن يواجه واقعه المعقد بمفرده، يتصل بعاطل عن العمل في إحدى دول شرق آسيا ويفاتحه بعرض يبدو جيداً للعاطل، يقول له «الموضوع ببساطة أننا توهقنا… الحكومة أقنعتنا بتعليم النساء، والراتب أقنعنا بأن نسمح لهن بالعمل ولكن لا أحد أقنعنا بأن نسمح لهن بقيادة السيارة! والآن مع ازدياد اندفاعهن للتعليم وللعمل أصبح وضعنا بالغ الصعوبة، بصراحة حنا دخنا من كثر المشاوير، لو منعنا المرأة من التعليم والعمل وسمحنا لها بالقيادة لكنا في وضع أفضل بكثير، لهذا السبب ومع الأسف فإننا في حاجة ماسة لمساعدتك لأنه يبدو أنك الوحيد الذي بإمكانه ترقيع تناقضاتنا وتخبطنا في اتخاذ القرارات، بالطبع نحن نعرف أنك خرجت من السجن قبل فترة قصيرة، ونعلم أيضاً أن لديك مشكلة بسيطة مع الكحول، ولكن نظراً لصعوبة ظروفنا سنتغاضى عن كل ذلك، وبالنسبة لقيادة السيارة فالمطلوب منك استخراج رخصة قيادة فقط وبإمكانك تعلم القيادة أثناء العمل، لأن الشوارع لدينا فسيحة ومناسبة للتعلم، بالنسبة للعرض فأنا على استعداد - على رغم زيادة أسعار الأراضي وارتفاع أسعار الحديد ومواد البناء الأخرى - أن أبني لك في إحدى زوايا المنزل غرفة مناسبة ومجهزة بدورة مياه مع باب خارجي، كما سأتكفل بإعاشتك على طريقة «الروم سيرفس»، أيضاً السيارة التي ستقودها جديدة ومكيفة وستجد متعة كبيرة في التجول بها في الشوارع برفقة عائلتي الكريمة، وفوق هذه المزايا سأقدم لك راتباً شهرياً يوفر لقمة العيش لعائلتك المصونة ويفيض منه ما يكفي لممارستك هواياتك المفضلة عندما تعود إلى وطنك»!
أليس هذا هو ما يحدث؟ لو كنت مكان العاطل لشعرت بالخجل من كرم هذا العرض، ولقررت من باب الوفاء بأن أذبح أضحية في كل عام لكل من يعارض قيادة المرأة للسيارة في هذا المجتمع.
لو كنت مكان رب الأسرة الذي يجد نفسه مضطراً لاستضافة رجل غريب في منزله وجعله المرافق الشخصي لعائلته، لتوقفت قليلاً وسألت: إلى متى نواصل المكابرة ونحاول ترقيع أخطائنا بارتكاب مزيد من الأخطاء؟ هل هناك تعارض مع الدين، أم أن الموضوع مجرد عادات وتقاليد؟
إذا كان المانع لأسباب تتعلق بالدين فنحن بالبديهيات، وبما نعلمه من الدين بالضرورة نعرف أنه ليس هناك مشكلة في قيادة المرأة للسيارة، ولكن المشكلة في ما ستؤدي إليه وما ستقود إليه، أي أن الممانعة ليست لفعل القيادة، ولكن لما ستجلبه القيادة من أوضاع جديدة قد تخرج عن السيطرة… هذا ما فهمته من المعارضين للقيادة، فالسيارة مجرد آلة واستخدام المرأة لها هو أمر مباح في الأصل، بالمنطق نفسه الذي يعتمد على مبدأ منع ما يفضي الى مفسدة فإن الواقع الحالي المدعم بشهادة أكثر من مليون سائق أجنبي يختلون بنسائنا ومحارمنا، ويرافقونهم طوال النهار وأناء من الليل، يخبرنا أن فتوى منع المرأة من القيادة مع تشجيعها على الخروج للتعلم والعمل جلبت مفاسد عظيمة. وإذا كان ذلك صحيحاً ألا يتوجب علينا - وباستخدام المنطق نفسه الذي استخدم للتحريم للمنع - إصدار فتوى جديدة بمنع المنع لأنه أفضى إلى وضع أسوأ من الذي كنا نخاف منه؟
فتوى المنع بررها الخوف من أضرار قد تحدث بالمستقبل، أما فتوى منع المنع - إن حدثت - فهي استجابة لواقع نراه بأعيننا ولسنا في حاجة لمخيلة خصبة لاستشعاره، فهو يحدث بالفعل، وأصبحنا نجد صعوبة كبيرة في تجاهله، وإذا كان العقل من شروط التكليف ونحن مطالبون بالتفكير، لماذا تسيرنا المخاوف من أشياء لم تحدث بعد ولا يحركنا الواقع بكل تفاصيله التي تصدمنا في كل لحظة؟ أليس في تجاهل الواقع وكأنه لا يعنينا تنازل عن العقل والإدراك؟ الخيارات المطروحة هي إما أن نضع عقولنا على الرفوف وننساق لمخاوفنا التي تسيرنا كيفما تشاء؟ وإما أن نعود لعقولنا ونتعامل مع هذا الواقع الذي يتشابك ويتعقد ونحن مازلنا نتفرج وكأن الأمر لا يعنينا.
هو منطق غريب ومضحك أن تجبر الأسر المحافظة على الاستعانة برجال غرباء للتأكيد على تمسكها بهويتها المحافظة وللتعبير عن غيرتها على محارمها، الاستعانة برجال غرباء يرافقون محارمنا هي مرحلة أكثر انفتاحاً من السماح للمرأة بقيادة السيارة، وهذا يجعلنا نتساءل بصراحة: بماذا نسمي من يعارض قيادة المرأة للسيارة ويغض الطرف عن أكثر من مليون سائق أجنبي يجوبون شوارعنا برفقة نسائنا؟ هل يمكن اعتباره محافظاً، أم أنه من دعاة الانحلال؟ إذا استبعدنا النيات من المعادلة ونظرنا للنتائج فإن من يقبل بالسائق الأجنبي ليتفادى السماح للمرأة بالقيادة، فإنه يشجع ويحرض على الانحلال سواء كان مدركاً لذلك أم غير مدرك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المرأة, النظام السعودي, هو وهي في بلادي | السمات:هو وهي في بلادي, النظام السعودي, المرأة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























