انفصال الفقه عن الواقع في شؤون المرأة.. الحاجّة ذات الذقن مثالا
كتبهاظلال امراة سعودية ، في 4 سبتمبر 2009 الساعة: 06:13 ص
ليلى أحمد الأحدب
تعرّضت في مقالات كثيرة سابقة إلى الآراء الفقهية المتشددة حول المرأة, والتي لا تراعي الزمان والمكان, وأشرت إلى أثرها الكبير في نفور المرأة من الدين؛ ولكن بعض الآراء غير المتشددة لا تقل في أثرها السلبي عن الآثار المتشددة, والسبب يعود إلى انفصال الفقه عن الواقع, وعدم شجاعة الفقيه بقول: لا أعلم, مع أن هذه الكلمة في تراثنا - المضيء منه - هي نصف العلم, فنحن كثيرا ما نتذكر عبارة (من قال لا أعلم فقد علم) دون أن نعمل بها.
أرغب في هذه المقالة مناقشة بعض الآراء الفقهية المعنية بجسد المرأة تحديداً, والرأي الفقهي الذي لفت نظري هو رأي مفتي إحدى البلدان الخليجية, حسب موقع العربية نت بتاريخ 19/12/2008, أنه قال:(أتلقى أسئلة حول إطلاق نساء لذقونهن ووجود عدد كبير منهن في موسم الحج الماضي) مشيراً إلى أن هؤلاء النساء مذمومات. وأضاف قائلا:(المرأة إذا نبتت لها لحية فعليها أن تبادر إلى إزالتها بما يضمن عدم عودتها) ولم يمانع في استخدام أي وسيلة لإزالة هذه اللحية عند النساء سواء كان باستخدام الليزر أو نحوه إذا لم يترتب على ذلك ضرر. واعتبر بقاء هذه اللحية تشبهاً بالرجال, وتابع المفتي:(بعض النساء يعانين من هرمونات ذكورية قد ينبت لهن شعر, وبدلا من أن يزلنه يبقينه ما يعد مخالفة لوضع المرأة الطبيعي والأولى لهن أن يعدن أنفسهن إلى الوضع الأنوثي) مشدداً على أنه (ليس في ذلك تغيير لخلق الله).
وكانت صحيفة الوطن - أثناء تغطيتها لفعاليات الحج - قد نشرت صورة لحاجة آسيوية قد نبت الشعر بوضوح في مكان الشارب والذقن, وأثبت الخبر أن الحاجة وابنها لم يمانعا أخذ صورة لهما, وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن محرر الخبر انتبه إلى احتمال وجود إساءة في التغطية فحرص على أخذ الإذن من الحاجة وابنها الذي بدا أيضاً بذقن طويلة وكثيفة, ومع احترامي الكامل للمفتي الذي ذمّ الحاجة, فإنه كان من الأفضل معرفة ثقافة البلد الذي تأتي منه هذه الحاجة وأمثالها قبل الحكم عليهن بأنهن مذمومات, وأقصد بالثقافة التقاليد التي تخص المرأة في بلادها, فأغلبنا يعلم أن التقاليد الهندية تميل إلى تجريم تزيّن المرأة بعد وفاة زوجها, وتراجعني في عيادتي نساء هنديات لا يقمن بإزالة الشعر من أي مكان في الجسد, إذ يعتبر من المعيب على المرأة المتزوجة أو غير المتزوجة أن تأخذ من شعر جسدها ووجهها شيئاً, علما بأنه لا علاقة للمعتقد الديني لدى المرأة بهذه الممارسة, مما يذكّر بالتقليد الذي يفرض على المرأة الهندية أن تعطي مهراً للرجل الذي يتزوجها, فالكل يفعل ذلك بغضّ النظر عن دينه, أي الهندوس والمسلمين والمسيحيين, ومع أن المهر شرعه الله للمرأة فإن الدين لم يستطع إلغاء هذه الممارسة السيئة
بالنسبة للنساء الهنديات المسلمات, ولذلك كان أجدى بالمفتي لو نبه الهنود المسلمين إلى عدم توافق هذه العادة "مهر الرجل" مع الشرع.
أما إزالة الشعر أو إبقاؤه فلا علاقة للشرع به خارج ما ذكرته الأحاديث الصحيحة من الاستحداد - وهو حلق العانة - ونتف الإبط للرجل والمرأة على السواء, ولم يتدخل المسلمون الفاتحون الأوائل في عادات الشعوب غير المنافية للنص الديني واضح الدلالة قطعي الثبوت, ولذلك كان الإسلام سريع الدخول إلى البلاد المفتوحة سهل القبول من أهلها, فحتى تماثيل بوذا والأهرامات وأبو الهول تُركت كما هي, رغم أن تلك الفتوحات كانت في عهد عمر بن الخطاب الذي نعلم مدى حرصه على تطبيق الشرع, حتى جاءت طالبان لتفجّر وتدمّر تحت اسم الشريعة, والشرع بريء من ممارسات كهذه.
أقدّر غيرة المفتي الكريم على تطبيق الشرع, وأتفهم حرصه على عدم تشبه المرأة بالرجال, لكن هذا شيء وعادات الشعوب شيء آخر, وأنا بالطبع ضد عدم اهتمام الأنثى بزينتها, خاصة مع ورود بعض الأحاديث التي تحضّها على الزينة والبهجة, كالحديث الوارد في مسند أحمد بن حنبل أن امرأة كانت صلت القبلتين مع النبي عليه الصلاة والسلام قالت: دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال لي:(اختضبي تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل) قالت: فما تركت الخضاب حتى لقيت الله عز وجل وإن كانت لتختضب وإنها لابنة ثمانين. وهذا الحديث وإن كان يمكن الإتيان به في سياق الرد على المعارضين لإظهار المرأة وجهها وكفيها, يرد هنا للاستشهاد به على أن التجمل المحمود ليس هو التبرج المذموم, فقد كانت نساء النبي عليه الصلاة والسلام يحرصن على التجمل, والأحاديث الواردة عن عائشة أكثر من أن تعد وتحصى في هذا الباب, وأورد صاحب معجم البلدان عن الهروي أنه قال:(رأيت جُوَيريَة قد أخذ كفنها عنها وفي يدها ورجلها أثر الخضاب من الحِنّاء)؛ وبخصوص شعر الرأس مثلا فقد عرف عنهن الاهتمام بجمالهن وشعور رؤوسهن في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن الشعر يعتبر زينة للمرأة, أما بعد وفاته فقد قصرنه للتخفف من عبئه بعد أن اختفت الحاجة للاهتمام به, ولم يعتبر أحد من الصحابة أن هذا تشبه بالرجال, كما يظن بعضهم في هذا الزمن, فيحرم على المرأة قص شعرها, حتى لو كانت غير ذات زوج, أو حتى لو كان زوجها موافقاً وراغباً في تقصير شعرها, لأن ذلك كله يجب ألا يكون أسيراً للفتاوى المحرِّمة للمباحات التي سمح بها الشرع اعترافاً منه باختلاف أمزجة الناس نساء ورجالا.
إذا عدنا إلى المثال البشري الأعلى والذي هو قدوتنا جميعاً النبي عليه الصلاة والسلام بشأن تزين المرأة نرى أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلملم يذمّ المرأة عندما قصرت في التجمل والتزين بل بحث عن السبب وراء ذلك قبل أن يحكم عليها, ثم كان التوجيه النبوي الكريم نحو إصلاح السبب, فقد أورد ابن حبان رواية أبي موسى لقصة امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنهم جميعاً وفيها دَخَلتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فَرَأَيْنَهَا سَيِّئَةَ الْهَيْئَةِ، فَقُلْنَ: مَا لَكِ، مَا فِي قُرَيْشٍ رَجُلٌ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ، قَالَتْ: مَا لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ أَمَّا نَهَارُهُ فَصَائِمٌ، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبيُّ فَذَكَرْنَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَهُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ:(يَا عُثْمَانُ، أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ)؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ قال:(أمَّا أَنْتَ فَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، صَلِّ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ). قَالَ: فَأَتَتْهُمُ المَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَطِرَةً كَأَنَّهَا عَرُوسٌ، فَقُلْنَ لَهَا: مَهْ، قَالَتْ: أَصَابَنَا مَا أَصَابَ النَّاسَ.
لا أدري عن أي وضع أنوثي يتكلم المفتي كما أورد الخبر؛ وكنت أود لو أنه وجّه الرجال إلى الاعتناء بمظهرهم وخاصة اللحية حيث يمنع بعضهم الأخذ منها فيكون لها منظر مخيف أحياناً, لأن الجمال ليس مطلوباً من المرأة فقط, بل إنه أيضا مطلوب من الرجل ففي الحديث:(إنَّ أحسَنَ ما غَيَّرتُم به هذا الشَّيبَ الحِنّاء والكَتم), ولكن هذا يعود إلى العادات السائدة, فمثلا صبغة الحناء قد لا تكون مرغوبة, خاصة أنه في كثير من البلاد العربية والإسلامية يعتبر صبغ الرجل لشعره نوعاً من التصابي, كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يكتحل, ولا نجد أحداً من علماء الدين يكتحل الآن, ولا نستطيع أن نقول إن في ذلك مخالفة لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام, بل إن وضع الرجل للكحل الآن يعتبر تشبهاً بالنساء.
كل هذا يدل على أن العادات تختلف باختلاف الزمان واختلاف المكان, ويشير إلى أن المفتي الكريم كان عليه الانتباه إلى توازي الفتوى مع الواقع, عدا أنه لم يتقصّ السنة بالبحث عن السبب قبل الحكم على المرأة, وذلك للمساهمة في تغيير ثقافة المجتمع الذي ينظر إلى المرأة التي تتزين بعد وفاة زوجها وكأنها آثمة, علماً بأن الشرع نفسه سمح للمرأة الكبيرة بالتخفف من الحجاب فقال تعالى:(والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة) وهذه الإباحة الشرعية لها مقال آخر بإذن الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الاسلام والمرأة, المرأة, هو وهي في بلادي | السمات:هو وهي في بلادي, المرأة, الاسلام والمرأة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























